محمود طرشونة ( اعداد )
56
مائة ليلة وليلة
الإلقاء والصوت والذاكرة ، وإما أن تكون صناعة يتعلّمها محترفون بعضهم عن بعض . فإذا كانت كذلك فهي تحتاج - ككل صناعة - إلى أداة . وأداة الراوي هي زاده من الحكايات والأشعار واللغة ، ولذلك يمكن أن نتعرّف على بعض الرواة من خلال لغتهم . فاللغة التي رويت فيها حكايات « مائة ليلة وليلة » متفاوتة المستويات كما أشرنا لكنّها لا تتفاوت في الحكاية الواحدة وإنما يختلف مستواها من حكاية إلى أخرى . ويمكن أن نضبط ثلاثة مستويات لغوية : - الأولى : لغة فصيحة نشعر فيها بآثار التأنّق في التعبير وتدلّ على أنّ صاحبها يمتلك موهبة خاصة في صوغ معانيه كما يمتلك ثقافة لغوية متينة . وصاحب هذه اللغة ليس راويا شفويا بل هو كاتب يؤلف قصّة ويهذّب أسلوبها . وربّما كان يترجم عن لغة أجنبية كالفهلوية مثلا أو السنسكريتية . ويحتمل أن يكون من كتّاب القرن الثاني للهجرة . فهي كتابة قريبة جدّا من كتابة عبد الله بن المقفع وسهل بن هارون . ولكنّها ليست من صنف أسلوب الجاحظ أو أبي حيان التوحيدي لأنها رغم تأنّقها ليست في جزالة لغتهما . ولا نجد نماذج من هذا الأسلوب إلّا في الحكايتين اللتين أضيفتا في النسخة التونسية الحديثة وهما : « حديث حلس المضحّك » وحديث « الدّبّ مع القرد » . ومما يقرّبها من كتابة ابن المقفع ضرب الأمثال بمناسبة كلّ حدث من أحداث القصّة . فقد أعلم حلس المضحك بهرام الملك بأنه « كان في حداثته كلفا بالنساء ، مفرط الشبق إليهنّ » إلّا أنه « كان ملولا لا يثبت على محبّة من أحب منهن . . . » ثم يضيف معلقا على هذه الصفة بثلاثة أمثال : « من اتّبع لحظة هواه وأسواه ( هكذا ) » وكان يقال : « كن من عينك على حذر » وكان يقال : « التنقّل من خلّة إلى خلّة كالتنقّل من ملّة إلى ملّة » وتعلّق بامرأة فاشترطت لقبول التزوّج منه أن يكون وفيّا لها . ثم حذّرته من عاقبة خيانته وأضافت : وكان يقال : « أربعة ترتفع عنهم الرحمة إذا نزل بهم مكروه : من كذّب طبيبه في ما وصف له من دائه ، ومن تعاطى ما لا يستقلّ بأعبائه ، ومن بذل ماله في لذّة ، ومن ندم على ما حذّر من